عين القضاة
19
شرح كلمات بابا طاهر العريان
قال : ( العلم يحمله ، والوجد يدخله ، والحقيقة تدنيه ، والمعرفة تؤنسه ) . أقول : بيّن بهذا القول مراتب أهل الخصوص ، وجعل بعضها فوق بعض ، فالعلم أدنى رتبة منها ، والمعرفة أعلاها ؛ لأنّ أثر العلم أن يحمل العبد إلى باب الحقّ ، وأثر الوجد أن يدخله الدار ، وأثر الحقيقة أن تدنيه من الحقّ سبحانه ، وأثر المعرفة أن تؤنسه باللّه تعالى ، فلا دخول في الدار إلّا بعد الحمل إلى الباب ، ولا دنوّ إلّا بعد الدخول ، ولا أنس إلّا بعد الدنوّ . قال : ( العلم ينفي الجهل ، والحقيقة تنفي الحظّ ، والحقّ ينفي الأثر ) . أقول : الحقّ صفة بمعنى الثابت ، من قولهم حقّ ، يحقّ ، حقّا ، فهو حقّ ، وحقّيق ، والتاء في الحقيقة للخروج من الوصفية إلى الاسمية ، فهي اسم من الوجود ، أو ما ثبت به الحقّ من الدليل ، فإنّ لكلّ حقّ حقيقة ودليلا يدلّ عليه ، كما جاء في الصحيح : أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم سأل يوما حارثة ، وقال : « كيف أصبحت ؟ » . فقال : أصبحت مؤمنا حقّا . فقال صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم : « إنّ لكل حقّ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ » « 1 » . فأخذ حارثة يعدّد خصالا تدلّ على حقيقة إيمانه ، وذكر منها أوّلا عزوف نفسه ، وهو أصل فناء الحظّ ، الدالّ على البقاء بالحقّ . فعلى هذا : معنى الحقّ هنا هو الوجود الثابت باللّه سبحانه ، ومعنى الحقيقة ما يدلّ عليه من فناء الحظوظ ، وزوال الوجود الفاني ، الدالّ على البقاء بالوجود الباقي . كما أنّ العلم ينفي الجهل ، فكذلك الحقيقة تنفي الحظّ ؛ لأنّ الحقيقة دليل الوجود الثابت ، ولا ثبات مع الحظّ ، فلا حظّ مع الحقيقة ، وكذلك الحقّ ينفي الأثر ؛ لأنّ العبد لا يتحقّق باسم الحقّ ما دام يبقى أثر من وجوده الفاني .
--> ( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في مصنّفه ، حديث رقم ( 30425 ) [ 6 / 170 ] ؛ ورواه الطبراني في المعجم الكبير ، حديث رقم ( 3367 ) [ 3 / 266 ] ورواه غيرهما .